الرئيسية
قسم - المواضيع العامة

توفرت للعمل الاسلامى مكتسبات كبرى منذ ان انطلقت دعوته في الثلث الاول من القرن الماضي وقدجاءت تلك الانطلاقة في سياق المدافعة للحملة الاستعمارية وما صاحبها من خطط الهيمنة

لثقافية واختصت المجموعات التي نشطت في هذا المجال واستحقت وصف الحركة الاسلامية المعاصرة او الحديثة بروية شاملة للاسلام تتجاوز الرؤية التقليدية التي تجعله محصورا في بعض جوانب الحياة وبذلك تميزت بوصفها ومفاهيمها وتقاليدها عن النماذج التي كرستها التجربة التقليدية جراء تراجع المسلمين عن موقع الريادة والاستاذية الحضارية .وبرغم ان خصوم الحركة الاسلامية المعاصرة ظلوا يلحون في تلخيص منهجها بتعبير الاسلام السياسي الا ان مكتسبات الحركة تجاوزت بعيدا عن محض السياسة .
صحيح ان الرؤية السياسية والمدافعة بمقتضاها ظلت مكونا جوهريا في فكر الحركة لكن كسبها طرز رقعة كبيرة ومتوسعة من نسيج الحياة المعاصرة تمتد من مسائل العقيدة والمفاهيم الى مسائل السلوك والعبادات وقد اثمر جهدها في تثبيت مبدأ شمول الاسلام واحاطته بجوانب الحياة ،اتباعا لدعوة الدين في ان يكون مستغرقا لانفعال الانسان في كل ما اياتي او يدع من شئون المعاش ، هذه الرجعى الى صحيح العقيدة والمفاهيم احدثت بدورها تحولات كثيرة في المسلك العام للمجتمع نحو التدين ، خاصة من حيث التزام الشعائر واداء المناسك ، وشيئا فشيئا تعمقت هذه التحولات الاجتماعية حتى غدت طابعا ثقافيا ملازما للمجتمعات الاسلامية المعاصرة .
وظلت الحركة الاسلامية تغذي تلك التحولات من خلال نشاط فكري متعمق ومثابر ، كما انها مضت في نهجها سباقة ومبادرة نحو تجديد الفاهيم والفقه لمقابلة الحوادث والاقضية ، وقدمت في هذا الصدد بدائل منقعة لاساليب الحياة المعاصرة في السياسة والاقتصاد وحركة المجتمع نافحت بها الاساليب والمناهج الغربية الحديثة بالدعوة الى النصرة وتعميق التضامن بين المسلمين ، خاصة في قضية فلسطين والقضايا الاسلامية الاخرى المجمع عليها ، كما انها ظلت واعية ومتصلة ومناصرة لقضايا التحرر في افريقيا واسيا ، وناشطة منذ نشاتها في الدعوة الى التحرر من كافة اشكال الاستعمار ، والى تصحيح النظام الدولي ، لتقوم العلاقات بداخله على اسس الحق والعدل .
هذا الفهم التجديدي ، الذي احدث تحولا متناميا في مفاهيم المجتمع وسلوكه ومصطلحه جعل السمة الاسلامية طابعا تصطبغ به معظم الفلسفات السياسية والاجتماعية المعاصرة في العالم الاسلامي ، وحتى اعداء المنهج الاسلامي المعاصر اسسوا رؤيتهم على اسانيد تراثية ودينية هم لم يفلحوا في مصادمة الفكرة الاسلامية مباشرة بنسخها والغائها فسعوا الى استخدامها هي نفسها حجة لرؤيتهم فصار هذا مكسبافي حد ذاته .
معظم هذه المكاسب كانت قد تكرست قبل قيام الانقاذ لكن فترة الانقاذ ايضا اتسمت بمكتسبات كبيرة لا يمكن تجاوزها ، وقد حدث ذلك برغم ازماتها التنظيمية الداخلية الصامتة التي جعلتها تمضي نحو غاياتها باقل من طاقاتها القصوى ، ومهما اسرف المنتقدون في الحديث عما رافق تجربة الاسلاميين من اخفاقات بل حتى من خيبات الا انه لا يمكن لاحد ان ينكر مافي حقيبة التجربة من حصاد وفير من المكاسب والانجازات ، فبعث فكرة "اسلام الحياة العامة " دولة ومجتمعا ، جنبا الى جنب اسلام الفرد ، وتحويل هذه الفكرة الى مشروع توفرت له اسباب التحقق هو في ذاته
انجاز مهم .
والتجريب في حد ذاهته كسب اخر ليس اقل اهمية من سابقه ، يضاف الى رصيد تجربة الاسلاميين الانقاذية ، فالافكار لا تصنع نموذجا في الهواء بل على الارض ، وصناعة النموذج على الارض عملية اجتهادية لا تتاتي الا بالخروج اليها والعمل عليها واقعا ، ونماذج العمران البشري والحضارة تصنع في الزمان والمكان كدحا ومكابدة وعملا بصيرا ، وقد افاض التطبيق على تجربة الاسلاميين وعلى البلاد كافة بناء قدرات بشرية يعتد بها ، يصلح غالبها لان يهب البلاد والامة قيادات من شانها ان ترفد اي مشروع وطني للنهضة والتقدم بزاده من ذوي الكفاءة والاهلية وسعة الافق والنضج .
وقد تدافعت التجربة مع واقعها ومحيطها فصنعت مثالا في المثابرة والصمود والتصميم على النجاح ، وبحكم ملابسات الحالة الدولية التي جاءت الى الوجود بين اكنافها ، كانت الاجواء مسمومة ، وشديدة العداء ، فتفتق حيال ذلك المشروع الجهادي الذي تصدت له بفلذات اكبادها من بين اكثر ابناء السودان نضجا واميزهم عطاء وافضلهم استعدادا للفداء والتضحية فما انثنى عود الانقاذ امام حرب الاهل والقوى الدولية وقاتلت حتى اوصل ميزان القوة المتقاتلين الى حد التراضي على الدخول
في السلم .
وقد قدمت الانقاذ هاهنا تجربة حية في تعبئة المتجمع وتعبيره عن استقلاله فكرا وخطابا وساسية عملية ، واستفرغت طاقتها وطاقة ابنائها في المدافعة عن ارض السودان ومصالحه من خلال مسيرة جهادية متميزة تجاوب معها السودانيون جميعا ، وابرزوا استعدادات مذهلة للتضحية بالنفس والمال والولد ، وبغير الفداء عملت التجربة القائمة في البناء ضد ضغوط الحرب ، فقادت نهضة في البناء والنماء اثبتت بها صحة رؤاها الاقتصاد ية ، وتفتقت موارد البلاد المادية الكامنة مما استعصى على مختلف حقب الحكم الوطني السابقة فعله ، فما تركت حجرا حسبت ان اسفله نعمة من ثروة الا قلبته ، ثم توجت ذلك بانتاج البترول في ظل ظروف داخلية وعالمية معوقة
ولقد تضافرت تلك التحولات لتحدث تغييرا جوهريا في رؤية الدول والقوى المؤثرة في السودان ومستقبله ، وتجاوبت التجربة مع ذلك بصمود بناء لتثمر اول عملية تحول سلمي من الطابع الشمولي الى الطابع التعددي دون ان تنقطع التجربة بثورة او انقلاب او انتفاضة ، على نحو ما ظل يحدث في كل التجارب السابقة ، ولا يعدو ان يكون هذا الملخص لمحة عجلى تصف طرفا محدودا من مكاسب الحركة بشمول مسعاها ورحابة نظرتها ، وهي في منهجها لتحصيل تلك الثمرات سلكت مسلكا حديثا فاعلا ومتميزا ، مسلكا متجذرا في تقاليد الشورى حفز المبادرة الفردية والجاعية في اطار صلب من تقاليد العمل الجماعي الموسسي لهذا يجب دايما التاكد على ان ماانجز لايحق ان ينسب الى افراد بعينهم او فئة بذاتها اذ هو مكتسبات جماعية مشتركة تعاضدت عليها مواكب لا متناهية من الا فذاذ والفئات الذين يمتد صفهم عبر اجيال وانتماءات مهنية وعرقية مختلفة.
الدكتور غازى صلاح الدين

آخر تحديث (الأربعاء, 10 مارس 2010 11:22)

 

عن المؤتمر الوطنى
السياسات الكلية
ذكرنا أنفاً بعض الم...
المرتكزات الفكرية
كثيراً ما يتحدث الخ...
واجبات عضو المؤتمر الوطني
  تقوم مرجعية المؤ...